الندوة لرئيس الجماعة مع
|
 |
|
بقلم مراد ماهر |
شارعنا ككل شوارع الدنيا الصغيرة ، نعيش بداخله و يحيا بداخلنا ، على جانبيه بيوت
تؤوينا في أحشائها ، و في جوفه أنبوب ضيق نستمد من بدايته و نهايته نقاط الخلاص من
رحم الضيق .
New Page 3
أبرز سكان شارعنا لم يكن من أعيانه أو وجهائه ولا حتى من مثقفيه ، كان البربري هالة
من هالات الغموض في حياة كل واحد فينا ، هيئته كالدراويش و حركته كالبهلوانات و
كلامه دائما غير مفهوم ، الوحيد الذي يستطيع أن يُوجَدَ في شارعنا رغم حظر التجول
الذي يفرضه جنود الاحتلال بعد أذان العشاء .
نسمعه يتحدث إليهم بلغتهم و أحيانا يصرخ فيهم ، و يعلو صوته على أصواتهم ، قدر
الكثيرون عمره فوق الستين .
فسر الكبار من حكماء شارعنا غرابة أطواره أنه مسكون بجنيِّ من جنسية الجنود ، برر
ذلك أن الغرباء و كبار شارعنا يخافونه ويتجنبون إيذاءه .
أُمِرَ كل الصغار بعدم الاقتراب منه ، وطُلب من الشباب تجنب الحديث إليه أو مصادقته
.
شارعنا ككل شوارع الدنيا الفقيرة ، أحيانا نعطيه قدر ما نأخذ ، لكننا في الأعم لا
نأخذ بقدر ما نعطي ولا نعطي بقدر ما نأخذ، وجدنا أنفسنا مع وجود الغرباء قد قنعنا
بألا نعطي و ألا نأخذ .
فقط نعيش .
البربري أقوى من ضابط النقطة الذي يرفع يديه في الذهاب و الإياب مؤديا التحية
العسكرية لجنود القمع ، و إيمانه أقوى من شيخ الجامع الذي يخشى أن يرفع صوته
بالأذان حتى لا يؤذي أسماعهم بينما يفترش البربري حصوات الأرض ليصلي أمام حواجزهم ،
كان أقوى من الصغار الذين يسمعون كلام الكبار بعدم النزول إلى الشارع أو النظر إلى
الجنود من الشرفات ، و أقوى من الكبار الذين لا يستطيعون حماية صغارهم .الكبار يكرهونه و الشباب يَعُدُّونه بطلا و الصغار يؤمنون أنه أسطورة من أساطير
حكايات الليل الملهمة بالنوم .و لأننا نتشبث بالخيالات فقد كنا نردد أن البربري هو المخلص المنتظر ، هو بلا سلاح
ولا جيش ، لكن شارعنا انتظر منه الخلاص .
شارعنا ككل شوارع الدنيا المحتلة ، تُزَيِّن أبوابه حواجز من حديد صدئت بفعل عدائية
نظراتنا إليها و دموع من أهينوا أمام عيونها .تخترق صمته المكبل بالذل بين الحين و الحين صوت رصاصات ترسم على جزء من أرض أو جدار
لوحة غير منتظمة كل لونها أحمر ، تتحول إلى الأسود مع مرور الصمت .
بدأ اختفاء جنود من بين صفوفهم في الليالي التي يخاصمها القمر ، فانتقلت حواجزهم من
أنبوب الشارع لتذوب في أبواب بيوتنا ، و مع اختفاء الجنود ، اختفى البربري فتسلل
اليأس إلى قلوب مريديه و الرضا إلى كارهيه و روح الانتقام إلى آخرين ، و تزايدت
لوحات الأحمر على جدران بيوتنا حتى لم يعد في شارعنا بيت لا يحوي جدارا أحمر و لم
يعد في شارعنا فم امرأة لا يصرخ حزنا ولا جسدا لا يرتدي السواد .
وازدادت الدموع فازداد معها صدأ حواجزهم ؛ فَلَوَّنوها بالأحمر كلون وجوههم و زيهم
و راياتهم ، و قاومهم سكان شارعنا برفع الرايات السود على الأسطح و الشرفات ،
فتوقفت مظاهر الحياة إلا من نزال لا يهدأ بين الألوان ، و على الرغم من أن كل شوارع
حينا كانت تحت قيد الاحتلال ، إلا أن شارعنا كان الوحيد الذي اتخذ السواد شعارا
للرفض ، فأطلق عليه " الشارع الأسود ".
شارعنا ككل شوارع الدنيا السوداء ، دائما يبحث عن لون أكثر أناقة ليتناغم مع ألوان
الحياة ، و كلما خطا خطوة نحو اللاأسود .... ازداد السواد .
ازدادت نوبات اختطاف الجنود أكثر من ذي قبل ، و تكرر استيقاظ الشارع على مشهد جندي
مسلوب السلاح يغرق في الأحمر وسط الأنبوب ، يزداد الأحمر ، يلمع بريق الأسود و
يتناسى الناس بديهيات حياة حفرت في تاريخ شارعنا ، الأطفال يلعبون الكرة داخل
سراويلهم و يخفونها تحت الأسرَّةِ ، النساء يفتقدن أحاديث النميمة في المآتم و
حفلات الزواج ، و يتلمس الشباب الحب فقط من موروث الأغنيات ، و باتت أمنية كل كبير
في شارعنا أن يصلي الفجر في الجامع قبل أن يتحول إلى لوحة حمراء غير منتظمة . قُتل
الكثيرون من جنود الغرباء ، لم يستطع أحدهم أن يعرف الفاعل ، نحن أيضا لم نكن نعرفه
.
شارعنا ككل شوارع الدنيا الطيبة ، يهاب الموت و يعشق الحياة ، فإذا جاءه الموت
استكان ، و إذا لاحت له الحياة بحث عن الموت.
لم يكن في شارعنا من يرغب في البحث عن مبرراتٍ أو دوافع لقرارٍ اتخذه الحُمُر .
عربات حمراء تحمل مكبرات للصوت تجوب شارعنا منذ بداية النهار ، تذيع بييانا للجميع
:
"إننا نريد سلاما دائما مع أهل الشارع الأسود ؛ لذا فقد قررنا العودة من حيث جئنا ،
و على كل سكان الشارع الالتزام باللاحياة حتى بدء آذان الفجر " .
الكل يقبع في أحشاء الشارع يهمس بالفرحة ، لم يحن وقت الإعلان عنها بعد ، الكل نيام
على فراشهم يختفون خلف جلودهم كعادتهم كل يوم بعد آذان العشاء .
لكن الليلة تختلف ، هواءها يختلف ، دقات ساعاتها تختلف ، دفء الأغطية على الأسرة
مختلف .
بدأ الناس يسمعون ضجيجا بالخارج يتحدث بلغة الرحيل ، فيتهامسون مع الجدران طالبين
منها أن تشف للحظات ليروا مشهدا لم يشاهدوه من قبل ، طالما حلموا بتفاصيله .
لم يتردد أحد بين النوم و الانتظار ، الكل ينتظر ، لكن أحداً لم يجرؤ على تلصص
النظر من النافذة أو حتى هجر فراشه ، فقط الكل يسمح بانسياب حلمه مع أحمره المتجدد
في الشرايين .والعقلاء في شارعنا باتوا ليلتهم يخافون شيئا لا يدركوه .
شارعنا ككل شوارع الدنيا الحزينة ، اعتاد على الحزن حتى أنه لم يستطع أن يستوعب
ملامح الفرحة ، فاكتفى بعناق الأحلام .
الله أكبر ... الله أكبر .... الصلاة خير من النوم .... لا إله إلا الله
مع نهاية الآذان ... "لم يخرج أحد".
انتهى الضجيج و ساد الصمت ... " لم يخرج أحد " .
دقائق ، توقف فيها الأسود عن البكاء ، و توقفت الحرب بين الألوان .
دقائق و سمع صوت يحلق فوق مئذنة الجامع
" حي على الخلاص "...
" حي على الخلاص "
...
شارعنا يعرف الصوت و يتذكر صاحبه ، صاح الهمس في الأعماق ..." لقد عاد "...
النداء يتكرر و تعلو حدته
...
" لم يخرج أحد "...
الضجيج يعود من جديد ، أصوات أحذية ثقيلة تغطي على صوت النداء حتى تلاشت موجاته و
انتهت ...
" لم يخرج أحد "...
اصطدمت أحلام الناس بواقع لا يعرفونه ، " فنام الجميع " .
شارعنا ككل شوارع الدنيا النائمة ، يجد في ساعات النوم حرية التعامل مع الكوابيس ،
فيهادنها حتى يقوى على التعايش مع واقعه .
استيقظ الصبح ، و معه كل نوافذنا ، و اصطدمت الأعين في نظرتها للأنبوب ، أبواب
الشارع تزينها حواجز تغيرت ألوانها من الأحمر إلى الأسود ، و ضابط النقطة و جنوده
يرتدون السواد .. يحرسون الحواجز و بنادقهم .
و كهل غطى الأبيض كل وجهه و رأسه يرتدي زيا أحمر مشنوقُ على باب الجامع .
قال الكبار : أنه كان يعيش في أنبوب شارعنا منذ زمن ثم اختفى .
... لم يخرج أحد !!!
شارعنا ليس ككل شوارع الدنيا