بقلم بستان الفل
تعرضت مفاهيم النقد الادبي إلى تغيرات خلال القرن العشرين فيما يخص وظائف
النقد وأساليبه وأهدافه . فبعد إن كان النقد في المفهوم الكلاسيكي ينظر إلى الأثر
الأدبي بحد ذاته , أي باعتباره موضوعا مكتفيا بذا ته،
New Page 3
ومتخذا مكانه الخاص , برز
المفهوم الحديث للنقد وفيه لم يعد الأثر الأدبي موضوعا طبيعيا يتميز عن الموضوعات
الأخرى بالسمات الجمالية فحسب , بل صار يعتبر نشاطا فكريا عبَّر بواسطته شخص معين
عن نفسه .أي باختصار فان هدف النقد تحوّل عن الموضوع نفسه , الى كل ما يحيط الموضوع
, معا للتركيز على تفاصيل مثل ظروف العمل الأدبي , السيرة الذاتية للمؤلف والحس
الشعري poetics المتضمن في ذلك العمل الأدبي . فقد ظهرت
مدارس
عديدة لدراسة النتاج الأدبي او الفني تعتمد على الأسس
الفلسفية الحديثة , غير تلك الأسس الفلسفية القديمة ( ديكارت وكانت وهيغل وهايدغر )
بمدارس
حديثة هي أساس مناهج النقد الحديث وهي :
1- مدرسة النقد الشكلي والبنيوي
2- مدرسة النقد البراغماتي ( الوظيفي)
3- مدرسة النقد الظاهراتي والوجودي
4- مدرسة التحليل والنقد النفسي
5- مدرسة النقد الاجتماعي والماركسي
وسأحاول هنا إعطاء الأساس النظري لكل مدرسة مع توضيح تأثيرها على النقد الفني
والأدبي
مدرسة النقد الشكلي والبنيوي
1- الاساس النظري :
الاتجاهات الفلسفية الشكلية Formalist :
تعتمدهذه الاتجاهات الفلسفية الأساس الموضوعي المتمثل في التقبل الجمالي
للعمل الفني , أي بعبارة أخرى تعتمد الصفات الشكلية الكامنة في العمل وليس صفات
تفرضها "ذات " المتلقي . فهي تهتم بالغايات والوسائل الشكلية للعمل ضمن مفهوم "
الفن للفن " , إلا انها لا تتهم بعدم مصداقيتها لا اعتمادها على الجماليات الشكلية
التي تتسم بطابع التجريد ويتسبب بعزل العمل عن محيطه لذا كان اللجوء إلى فكر
البنيوية باعتبارها وسيلة لتنظيم علاقة الشكل الداخلية من جهة , وعلاقات الشكل
بمحيطه وبالمتلقي من جهة أخرى .
فكر ومنهجية البنيوية Structuralism
تتميز البنيوية باستعمالها للغة استعار يا إذ تؤكد " ضرورة وجود لغة
ذهنية واحدة في طبيعة الأنظمة البشرية التي تُدرك جوهر الأمور على نحو متماثل
وتعبّر عنها بأشكال متعددة . وتكشف هذه اللغة الذهنية نفسها بصفتها القدرة البشرية
الشاملة بتركيب الُنظم وإخضاع طبيعتها لمتطلبات البناء " . كما أنها ترى أن
استجابات الإنسان للبيئة المحيطة به تتم وفق طرق معينة للتعامل معها لبيان ما يعترف
به الإنسان حقيقة وما يفعله , أمران متطابقان . فعندما يدرك الإنسان العالم فانه
يدرك بدون علمه الشكل الذي يفرضه ذهنه , ولن تكون للكيانات معان الا بقدر ما تجد
لها مكانا ضمن هذا الشكل . أن عنصر الإدراك له أهمية مضاعفة في النظرة البنيوية
والتي تقوم بتفسير المواضيع تبعا إلى تفاعلها مع ذات المدرك او المتلقي . ويكون
الإدراك على أساس انه كل لا يتجزأ ويتميز بمواصفات يتجرد منها عند تفكيكه الى عناصر
أولية ( أي ما يتناقض مع التفكيكية deconstructuralism )
يعتبر عالم النفس الفرنسي جان بياجيه Jean Piaget من أول من وضع التعريف للبنيوية .
فانه يرى ان من الممكن ملاحظة البنية في نسق الكيانات وهي تشمل الأفكار التالية :
- فكرة الكلية Wholeness الصورة الشمولية
- فكرة التحول Transformation قوانين التماسك الشكلي الداخلي
- فكرة الانتظام الذاتي Self- regulation وهي قوانين داخلية تساعد على تكيُّف البنية مع التحولات الخارجية ولذا تحافظ على استمراريتها .
- ولعلاهم هذه الأفكار هي فكرة الكلية أو الصورة الشمولية حيث تربط الأجزاء ببعضها وفق علاقة معينة مشنقة من " الكل " وتعبر عن صورتها الشمولية.
كانت اللغة من اول الحقول التي طبقت نظرية البنيوية في مناهجها اذ وضع
سوسيير نظريته في بنيوية اللغة التي صورت اللغة على أنها نظام من الإشارات تربطها
علاقات تحكمها قوانين تركيبية Syntagmatic وتنظيمية Systematic كما ان
السيميولوجية ( الاشاراتية ) Semiotics وهو العلم الذي اختص بنظام الاشارات ضمن
مجتمع ما , قد تاثر بالبنيوية كنظرية , ويمكن الاستفادة من التحليل السيميائي
لتوضيح معاني العمل الادبي والفني
اثر المدرسة الشكلية والبنيوية في النقد الأدبي :
ظهرت مدارس أدبية نقدية اعتمدت علوم اللغة منهجا نقديا , منها مدرسة
الشكليين الروس , والتي ارتبطت بمسار مدرسة المستقبليين الروس Futurists الفنية .
كما ظهرت مدرسة شكلية بنيوية في فرنسا وتأسست على يد المفكر والناقد رولان بارت
Roland Barthes الذي رأي في النقد الأدبي محاولة لتفسير العلامات للوصول إلى
المدلولات .
- موضوعية النقد :
يؤكد بارت على موضوعية النقد , فانه يرفض فكرة كون الأثر الأدبي نتاجا لشيء آخر
تكون علاقته به سببية , ويرى في ذلك نظرة قاصرة للفن والأدب . إن له فكرة يقيم
عليها منهجه النقدي وهي ان " ارتباط العمل بالعالم الخارجي يكون عن طريق العلامة
التي تدل على أشياء ومواضيع خارج العمل نفسه "
- الإشارات السمعية والبصرية :
يقوم بارت بتقسيم الإشارات حسب طبيعتها الى ( إشارات سمعية – زمانية ) تميل إلى أن
تكون رمزية بطبيعتها , بينما تميل الإشارات البصرية ( المكانية ) إلى أن تكون
ايقونية Iconological تمثيلية .
- اتباعية النقد للعمل الأدبي :
يدعو بارت النقد باللغة الاتباعية ويرى انه من واجبها كي تكون فاعلة أن تتغير مع
النص المدروس ( الأثر المنتقد ) كما يعتبر بارت أن نظام الإشارات العائد إلى عمل ما
إنما يُحدد من قبل الكاتب نفسه , فيتجاوب حتما مع أسلوبه الشخصي , ودور الناقد يكمن
في إعداد لغة يستطيع بواسطة تماسكها ومنطقها لن يتلقى اكبر ما يمكن من لغة المؤلف .
يُستدل مما سيق أن الأمر لا يتعلق بحقيقة نقدية بقدر ما هو بحث في تماسك اللغة (
بنيويتها ) ومشروعيتها في التخاطب مع الآخر ...