الحكمة المصلوبة
تقديم الدكتور حسن حنفي
هذا الكتاب "الحكمة المصلوبة: مدخل إلى موقف ابن تيمية من الفلسفة" لسعود بن صالح السرحان، يمثل حدثاً ثقافياً هاماً بل ويعتبر من اهم الكتب الدسمة التي ظهرت في واقعنا الثقافي الحالي
فهو كتاب جريء في عنوانه "الحكمة المصلوبة" منذ هجوم الغزالي على الفلسفة والفلاسفة في "تهافت الفلاسفة" واستئناف ذلك عند ابن تيمية وابن القيم مروراً بابن الصلاح، حتى أصبح موقفاً رسمياً للاتجاه السلفي. وسوف يقوم موقع مصرية نظرا لأهمية هذا الكتاب وقيمته بعرض اهم فقراته على حلقات متتالية بإذن الله
الحلقة الأولى
مقدمة بقلم المؤلف سعود السرحان
أما قبل
هذا الكتاب (أو الكتّيب) كان في الأصل محاضرة ألقيت في أحدية الدكتور راشد المبارك
(أحد أهم الصوالين الأدبية في مدينة الرياض)، وعندما بدأت الإعداد للمحاضرة تبدت لي
ماهية الصعوبات التي تكتنف هذا البحث، لذا فقد أيقنت أنه لا يمكن تقديم دراسة
متكاملة عن موقف ابن تيمية من الفلسفة إلا بعد تجاوز عدد من الصعوبات، منها: ما
الأسباب التي دعت ابن تيمية لدراسة الفلسفة؟، وما المراجع التي اعتمد عليها في
دراسته هذه؟، وما مدى استيعابه للمدارس الفلسفية؟، وما مدى أصالته في النقد؟، ثم ما
تأثير الفلسفة عليه؟
لقد وجدت أن كل سؤال من هذه الأسئلة، بل بعض جزئياتها يستحق دراسة خاصة، وأي دراسة
لكي تتحقق فيها صفة العلمية لا بد لها من الارتكاز على "معلومات صحيحة"، وهذا ما
يوضح لنا أهمية الاعتماد على "المنهج التاريخي" والوصفي، كمرحلة أولى أو كمدخل
لدراسة موقف ابن تيمية من الفلسفة.
ومن هنا كانت مشروعية هذا البحث، فهو ليس إلا دراسة توضح مشروعية إعادة النظر في
موقف ابن تيمية من الفلسفة، في دوافعه وأصالته ونتائجه وآثاره، وهي بداية لمشاريع
علمية حسبنا، في مؤسسة جدل، التنبيه على أهميتها، كما سنعمل على نشر بعضها، وسيكون
الجزء القادم من هذه السلسلة، تأثير أبي البركات البغدادي (ابن ملكا) في ابن تيمية،
إن شاء الله تعالى.
وفي الختام، فلا بد لي من شكر الدكتور راشد المبارك، الذي ألقيت هذه الدراسة في
أحديته، وكذلك لكل الأصدقاء الذين قرأوا مسودة البحث وأبدوا ملاحظاتهم عليه، وأخص
منهم بالذكر الأستاذ الأديب ماجد الحجيلان، والأستاذ الباحث علي العميم.
مع العلم أنني الوحيد الذي يتحمل مسؤولية ما ورد في هذا الكتاب من أغلاط.
واقع الفلسفة في عصر ابن تيمية:
"من عرف
ذاته تألّه" هذه الجملة التي قالها أفلاطون كانت منحوتة على مدقّة باب مجمع التعليم
الصابئي في حران، عندما زاره المسعودي المؤرخ؛ حيث قرأها له مالك بن عقبون
الصابئي12.
وحران ذات تراث فلسفي عريق، فقد كانت مكان كرسي التعليم للأفلاطونية المحدثة، التي
عُرف أتباعها بعد ذلك باسم "الصابئة"، حيث انتقل كرسي التعليم من الإسكندرية إلى
أنطاكية في عهد عمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي، ثم استقر في حران في عهد
الخليفة العباسي المتوكل على الله، إلا أن موقع المدينة الفلسفي بدأ بالضعف بدءاً
من عهد الخليفة المعتضد مع هجرة الفلاسفة الصابئين مثل "ثابت بن قرة" إلى بغداد 13.
في هذه المدينة ذات التراث الفلسفي القديم ولد ابن تيمية سنة 661، لكن لم تبقَ في
ذاكرته عنها إلا ذكرى فظيعة عندما وضعه أهله في الليل في عربة متهالكة مع كتب أبيه
النفيسة هرباً من التتار، وتوجهوا إلى دمشق سنة 666.
ولم يحمل في تلك العربة أي كتاب فلسفي، بل كانت مليئة بنفائس الكتب في الفقه
الحنبلي والحديث، فمع أن عائلة آل تيمية من العائلات العلمية العريقة إلا أن
عنايتها كانت متوجهة إلى الفقه والحديث، ولم تكن لها أي عناية بالكلاميات والعقليات،
عدا ما أخبرنا به ابن تيمية من أن أباه وجده كانا متقنين لعلم الجبر والمقابلة14.
انتظروا
الحلقة الثانية من الكتاب الأسبوع القادم بحول الله