 |
|
بقلم الناقد الكبير توفيق حنا |
"دواير" (أشعار باللغة العامية) وعن طريقها أحببت الشعر وأعجبت بالشاعر.. وكان أن
اتصلت به.. ثم أرسل لي ديوانه الأول "دواير"... قرأت الديوان مرة.. وقرأت بعض
قصائده أكثر من مرة.. وأسجل هنا انطباعات قارئ محب.
أولا أعجبت بتصميم الغلاف وبخاصة هذه اللوحة الجميلة التي توسطت الغلاف معبرة أجمل
تعبير عن عنوان الديوان “دواير".. وبحثت –عبثا- في كل الديوان عن اسم الفنان الذي
أبدع هذه اللوحة!
وثانيا سعدت وأنا افتح الديوان أن أجد اسم الصديق العزيز
ألفريد
فرج وهو يقدم هذا الديوان..
تحت هذا العنوان "شاعر في المهجر".. ويقول:
"الشعر في بلاد الهجرة حنين للوطن" وكأن هذه الكلمات افتتاحية قصيدة.. ويقول وهو
يقدم لنا الشاعر:
"الشاعر الطبيب شريف مليكه يحيا في الولايات المتحدة منذ عشرات السنين ويمارس
هوايته المحببة وهى الشعر والفكاهة"
كان الشاعر شريف مليكه موفقا في اختياره لرباعية الشاعر الصديق الراحل صلاح جاهين
يفتتح بها "دواير"
" ايديا فى جيوبى وقلبى طرب
سارح فى غربه بس مش مغترب
وحدى لكين ونسان وماشى كده
وبأ بتعد.. مااعرفش.. او باقترب
وعجبى
وكم هى صادقه رباعية صلاح جاهين فى ترجمتها لحياة وسلوك الشاعر شريف مليكه فى مهجره
وبخاصه هذه العبارة.
"وحدى لكين ونسان"
وكلمة ونسان التى اختارها الشاعر صلاح جاهين والمشتقه من كلمة "ونس" التى هى ضد
وعكس الوحشه .. وهذا يؤكد مدى تعلق الشاعر بوطنه الذى هاجر منه بجسمه ولكنه لم
يهجره بقلبه ولا بفكره.. ولابلغته التى صاغ بها ديوانه "دواير"
استمع الى الشاعر وهو يتذكر الاحياء الشعبيه المصريه ويقدم لنا شخصية هذا "الشحات"
الذى اصبح يطلب لاخبزا " فليس بالخبز وحده يحيا الانسان.. بل يطلب ان تنتشر المحبه
بين الناس وان يسود العدل والحريه والسلام"
يقول الشاعر – الشحات:
حب الناس .. ماتحدوش شروط
عشرة .. مافيهاش الضغوط
نطه.. مابعدها سقوط
لله يامحسنين
لقمه.. مامعاهاش مراره
فرصه.. ماوراهاش خساره
لمسه.. من يد بحرارة
لله يا محسنين
ويختمها الشاعر بهذه الرباعيه:
حسنه ماتبقاش قليله
لو شدت النيه الهزيله
لو تبدل الغبار جميله
لله يامحسنسن.
والشحات ثائر عاجز.. ووجوده صرخة احتجاج ضد كل الاوضاع الفاسده.. اقتصاديا
واجتماعيا وانسانيا.. والشاعر يسخر من هذا المجتمع الذى يسمح بوجود الفقر والجوع
والحاجه التى ترغم الانسان ان يقاوم كل هذا الفساد بان يصبح شحاتا!
وفى قصيدة "آهات النهارده" نلمس حنين الشاعر لوطنه الذى يعيش فى قلبه –لا يزال- هذا
الحنين الى الماضى بذكرياته كما يعبر الشاعر عن احلامه بمستقبل اجمل وأكثر اشراقا..
آه.. لو كانت تعود
ايام زمان..
لو ترجع القلوب
فايره بمشاعرها
آه لو تقوى السواعد
وتشيل كل الحمول
لو يومنا يبقى بكره
جايز .. ح نغيره
ولكنه يقول:
بس.. بارجع اخاف
لايعود زماننا بينا
ويبان ان الخلاف
مش من الزمن وماضينا
انا نفسى نتصالح
مع يومنا ونصفى له
وما نعشق امبارح
وهكذا يعود الشاعر الى اليوم الى النهار ده .. ويستنكر الدعوة الى العوده الى ايام
زمان..
والديوان يمتلئ بلوحات جميله يرسمها الشاعر الفنان بكلماته.. وفى قصيدة "الجناينى"
يقول:
جانى الجناينى يغنى
ياليل ياعين
لف الجناينى فى المداين
وفى البساتين
داير.. يدور
على احلى وردة
شافتها العين
طاير بفرحه
وعيونه سارحه
وفى ايده طرحه
ح يلف فيها
ورده.. ماليها
وسط الورود اختين!
ويسجل لنا الشاعر مخاوف هذا الجناينى على وردته..
قال لى اخاف لاف يوم
من تقل الهموم
تملا سمانا غيوم
يخبى قمرنا
ويطول سهرنا
ودارنا..
ماتنورهش نجوم
خايف لاتدبل وردتى
دى نور طريقى فى دنيتى
دى كل سعدى وفرحتى
ولكن الشاعر المتفائل يقول:
ويمر يوم واتنين
وتبتسم البساتين
فى الجو عود ياسمين
والشمس تضوى العين
الاتصلح قصيدة "الجناينى" ان تكون اغنيه جميله تغنيها فيروز ويلحنها ابنها زياد؟..
والشاعر فى بعض قصائده يقص علينا قصصا قصيرة.. وهذه القصائد – القصص تمتاز بصدق
تعبيرها عن سمتين من سمات النفس المصريه وهما الحزن والصبر.. فى قصيدته –او فى
قصته- "حدوته الناس الغلابه" يعبر عن تعاطفه مع كل حزين.. ومع كل غلبان .. ويجكى
لنا هنا مأساه واحد من الناس الغلابه:
قالوا لى عم فلان تعيش انت
خرج من الصبح فى ايده شنطه
رايح يبعها لصاحبه فى طنطا
يسدد بتمنها الاقساط
قام على طول يرجع البيت
صرّ الفوس بأبرة وخيط
صاحبه مسك فيه اوى وياريت
كان يسمع منه ويبات
ويسجل لنا الشاعر النهايه الحزينه لهذا الانسان الغلبان:
بيقول قال خبطته عربيه
وناس قالوا سرقوه حراميه
اصل لقوا جتته مرميه
فى الشارع كلها كدمات
ولهذه الحكايه فصول اخرى ويمكنك ان تعود الى الديوان.. اذا اردت!
ويصور لنا الشاعر هذه اللحظه القاسيه التى يمر بها الكاتب عندما يعجز عم ممارسة
المكاتبه.. شعرا او قصه.. فى قصيدة "حدوتة السكوت":
فى يوم عقيم اجدب
لقيت حالى مقلوب
قلمى اللى كان يسهب
صبح حجر مصبوب
ويصور لنا الشاعر هذا الحوار بين الشاعر وقلمه:
انا قلت له ماتكتب
عن بلدي والمحبوب
قاللى عايزنى اكدب
بالحزن انا مضروب
ويفسر لنا الشاعر سبب هذا الحزن:
شايف قوى بيضرب
عيّل بيحدف طوب
ونلمس فى ديوان "دواير" هذه النغمه النقديه التى يعبر فيها الشاعر عن كل مايحيط به
من قهر وظلم واحزان ولعلنا نلمس فى قصيدة "حدوته الحيران" هذا الواقع الذى دفعه الى
ان يهاجر بعيدا عن وطنه ويصور لنا هذه اللحظه المصيريه لاتخاذه قراره:
نفسى تقول لى هنا اعيش احسن
ولا هناك لو اكون يستحسن
حد يقولى قوام بقى لحسن
عقلى خلاص ح يشت ياناس
صوت بيقول لى لتنين واحد
بس سألت امبارح واحد
هو واخوه قالوا بصوت واحد
لو تقعد هنا.. راح تنداس
والشاعر يملك هذه الموهبة النادرة على أن يحكى للأطفال حواديت.. ولعل هذه الرغبة فى
اعماقه هى التى دفعته الى تكرار كلمة حدوته لاغلب قصائده.. واكتفى هنا بهذا النموذج
الرائع والتى جعل عنوانها:
ليكى.. يابنتى (سبتمبر 2001)
استمع معى الى افتتاحية هذه الحدوته والقصيده:
غضب مالينى
لو تسألينى
يابنتى اقول
كان ياما كان
كان فيه زمان
بعبع ونمول
وفى قصيده "الاخبار" يصور لنا الشاعر لوحة تمثل الشارع المصرى:
اوجاع وآلام
وعتبا وخصام
وعيون ماتنام
ترويج اوهام
محاذير.. احكام
تحريم انغام
انساك ياسلام
انساك ده كلام
حتى يقول وكأنه يصور صفحه من تاريخنا الحديث:
واتلموا انام
رفعوا الاعلام
ورماح وسهام
صرخوا بكلام
الموت زؤام
او تحرير تام
ثم نأتى الى "حدوته القلوب" (قصه قصيره) وفيها تصوير ساخر لحياة بطل هذه الحدوته
القصيره ولقد وفق فى اختيار اسم هذا البطل:
"صابر ايوب" وامتى بافتتاحيه هذه القصيده الطويله التى ختم بها الشاعر ديوانه:
الناس بتقول
الصبر بيطول
والهم يزول
والحدوته..
عن هم قلوب..
عن حال مقلوب
ويبان معدول
مقلوب معدول
معدول مقلوب
"صابر ايوب"
بالخوف مضروب..
فى القلب جيب
جوا السراديب
يفضل محبوس
لكن محروس..
وبحرص عجيب
عن عين الناس
لابيان احساس
يفضح مستور
يكشف محظور
كان لابد للانسان فى عالم مضطرب لايعرف اذا كان هذا العالم الذى يعيش فيه معدولا او
مقلوبا ان يكون صابرا.. صبر ايوب.. حتى يمكنه ان يتحمل العيش فى هذا العالم..
وينتهى ديوان "دواير" بنفس كلمات افتتاحيه هذه القصه القصيره (الطويله) "حدوته
القلوب"
معدول.. مقلوب!
"صابر ايوب"
بالخوف مضروب..
فى القلب جيب
جو السراديب
يفضل محبوس
كان من الممكن ان اتوقف هنا.. ولكن لابد ان اسجل لك شيئا من هذه القصيدة التى اراها
من اجمل وارق واعمق قصائد الديوان.. وعنوانها ". . الله!"
واكتفى بافتتاحية هذه القصيدة.. واختم بها كلمتى عن ديوان الشاعر شريف مليكه..
وانتظر –ان شاء الله- ان اقرأ ديوانه الثانى.
لما نشوف اول شعاع
والشمس تهمس للقمر
كلمة وداع..
والفتى يلمس الشجر
والورده.. والبيت.. والحجر
.. النور ح ينشر الخبر
ع الكل ذاع..
مشهد يدوب فيه النظر
نقول.. الله!